خواطر مسافر إلى النور (٢٢٧)
” بذل الذات “... بحسب تعليم الرب يسوع المسيح

بذل ذواتنا في المسيح ليس دعوة للخسارة أو صغر النفس، بل تأكيد أن الذات في حد نفسها أعظم مِما تملكه الذات نفسها، وأن كيان ذواتنا أبقي من وجودها المنظور:
"لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه" (مرقس ٣٦:٨)
إن الله أعطانا سلطانه على ذواتنا أن نضعها وأن نأخذها أيضاً. فإبراهيم أبو الأنبياء رأي قيامة المسيح مِن وراء الزمن، وآمن أن الله يقيم الأموات .أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح“ (يو٥٦:٨)" فقرر أن يبذل أسحق أبنه بالجسد ، و مِن ثمَّة عاد به حياً".
" 18 ليس أحد يأخذها منِّي ، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصية قبلتها من أبي 17 لهذا يحبني الآب ، لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً " (يوحنا ١٠)
واضح أن بذل الذات المؤسَّسَ على الإيمان بالمسيح هو وصية الآب، فلم يكن بذل أبراهيم لإبنه أسحق تفريطاً، ولا كان بذل الآب لابنه الوحيد الجنس يسوع المسيح تفريطاً. فنحن نضع ذواتنا - أغلي ما لدينا - ليصير لها الخلود والوجود فيه .
هذه وصية الآب، وهي نتاج حب الآب لنا في ابنه، لأنها وصية تأكيد أننا صرنا متحدين فيه من خلال الاشتراك في ناسوت المسيح ”الله الظاهر في الجسد“.
فهذه الوصية لم تكن ليعطيها الآب إلا لنكون محفوظين في ابنه للخلود والحياة الأبدية.
لقد لخص الروح ومن وراء الزمن علي لسان داود النبي كل هذه المفاهيم المسيحية عن بذل الذات شارحاً بالنبوة علي لسان المسيح وهو علي الصليب يقول ”أستجب لي يارب عاجلاً فقد فنيت روحي“ (مز ١٤٣) فكانت القيامة والخلود والأبدية للإنسان في يسوع المسيح . [نقرأ هذا المزمور لحظة موت المسيح علي الصليب في يوم جمعة الصلبوت] .
إن ذواتنا غالية عندنا جداً، لأنها هكذا عند الله الثالوث. ونحن نبذلها في المسيح ومن أجل خاطر المسيح فقط وليس لأي سبب آخر، إيماناً ويقيناً أنها متحدة به ومحفوظة فيه للأبد فنجدها: "ومن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها"، وإلا كان البذل خسارة وفقدان وكَسرة نفس وذِلة.
هكذا صنع المسيح ومثاله إبراهيم وكل من يبذل ذاته حباً لذاته الحقيقية خالدةً في المسيح ربنا....والسُبح لله.